الشيخ عبد الغني النابلسي
30
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
وأما الحق تعالى من حيث ألوهيته التي قام بها كل مألوه فهو الذي قلنا إن الكل يرونه في الدنيا وإن لم يشعروا ، ويشعرون برؤيته في الآخرة على حسب ما هم عليه عند موتهم وانتقالهم إلى الآخرة في مقدار ما هو عندهم في الدنيا ، فمن كثر شهود الحق عنده في الدنيا في كل شيء محسوس أو معقول شهده في الآخرة كذلك ، ومن لم يشهده في بعض المحسوس أو المعقول لم يشهده في الآخرة في ذلك البعض أيضا ، وكان أعمى عنه في ذلك البعض ، وهكذا بحكم قوله تعالى : وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ( 72 ) [ الإسراء : 72 ] ، أي أكثر ضلالا من الدنيا عن طريق الوصول إليه سبحانه ، وذلك لانقطاع الأعمال ووقوف الهمم ، فلا يمكن السير والسلوك في ذلك العالم إلا لأهل السير والسلوك في الدنيا دون المنقطعين . وما أحد في الدنيا من مؤمن ولا كافر إلا وهو يشهد الحق تعالى ويراه ، فمنهم من يراه في محسوس ، ومنهم من يراه في معقول وهم أصحاب الاعتقادات الذين يكفر بعضهم بعضا ، ويلعن بعضهم بعضا كلهم في الآخرة يرونه بمقدار ما كانوا يرونه في الدنيا ، ويحجبون عنه بمقدار ما كانوا يحجبون عنه في الدنيا ، وتحتد أبصارهم ، ولا تكل أنظارهم ولذتهم في النظر إليه سبحانه ، وألمهم وعذابهم في ذلك على مقدار أحوالهم التي ماتوا عليها إن كانت من تجليات جماله ورضوانه أو من تجليات جلاله وسخطه وغضبه . فيبدو ، أي يظهر سبحانه لبعض العبيد في يوم القيامة باختلاف التجلي ، أي الانكشاف في الصور المختلفة عند الرؤية في المحشر كما ورد في الأحاديث النبوّية وسبب ذلك الاختلاف في التجلي بالصور لأنه ، أي التجلي في الصور لا يتكرر من الحق تعالى أصلا لسعة الحضرة الإلهية وإطلاقها الحقيقي ، فلا يتجلى الحق تعالى بتجل واحد لشيء واحد في آنين ، ولا يتجلى لشيئين في آن واحد بتجل واحد ، بل له تعالى في كل آن على كل شيء تجل خاص لا يتكرر أصلا في الدنيا والآخرة فيصدق عليه ، أي على الحق حينئذ في الهوية ، أي حقيقة الأزلية الأبدية قوله سبحانه وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ [ الزمر : 47 ] في حق هويته سبحانه وظهورها لهم متجليها عليهم ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ فيها ، أي في تلك الهوية الإلهية قبل كشف الغطاء عنهم بالموت عن الحياة الدنيوية الوهمية حيث اختلفت عليهم صور تجلياتها فيؤمن بها يومئذ من يؤمن وينكرها من ينكر ويتعوّذ منها على مقتضى ما جاء في الحديث النبوي . * * *